قررت في تلك اللحظة أن تذهب إلى هذا الحفل وأن تكون بجوار هؤلاء الأطفال الذين هم بحاجتها مثلما هي بحاجتهم ..استكملت طريقا إلى العمل وعندما وصلت أخذت ترتب كيف ستذهب وتفكر بالهدايا التي ستأخذها معها لهؤلاء الأطفال ...تذكرت أن يوم الجمعة هو غدا..اشترت هدايا كثيرة ..وذهبت للحفل في اليوم التالي ..
جلست في أول الصف الثاني من القاعة.. وبدأ الحفل وبدأت معه دموعها التي تحاول سجنها بعينها طوال الوقت خشية تنهمر رغما عنها .. ابتدأ الحفل بمقطوعة موسيقيه يعزفها شاب على البيانو كانت تحمل كل معاني الحزن والشجن لم يتبين لها حينها من هو الشاب الذي يعزف تلك المقطوعة والتي أدمت قلوب كل الموجودين وليس هي فقط وفجأة تعانقت نظرات أعينهما الدامعة وهمس بداخلها يردد ..أحمد .. زميلها الانطوائي الذي كان يجلس دائما بمفرده لكنه ربما انه لن يتذكرها فقد مرت خمس سنوات على تخرجهما ..انتهت المقطوعة التي أبكت الجميع والتي كانت قادرة على مزج دموعهم بالتصفيق الحار ..
غنى الأطفال بعد ذلك على عزفه الذي أطرب أذنيها كثيرا ..وبعد انتهاء الحفل قررت أن تذهب له وتحييه على عزفه ولكنها كانت تخشى عدم تذكره لها وينتابها حينها الحرج ..فذهبت لتقدم الهدايا للأطفال وكان هو واقفا على مقربة منها ..أدركت انه لم يتذكرها بعد فلم تبالي بالأمر ...فإذا بصوت يأتي من خلفها متسائلا ... سارة؟ فتلتفت له مجيبه بابتسامة مرسومة على شفتيها : نعم أنا ساره فتسأله ..احمد؟ فيرد عليها بالإيجاب
فأثنت على عزفه وتضامنه مع هؤلاء الأطفال الأيتام ..لم تكن تعلم ساره عن أحمد شيء سوى أنه زميلها وأنه شخص انطوائي يجلس دائما بمفرده ونادرا ما تجده وسط مجموعه من الأصدقاء بالإضافة إلى أنه كان دائما الأول على الدفعة وكان أحيانا يعيرها كشكول محاضرته .. كان دائما يأسرها بهدوئه وتفوقه وأخلاقه العالية لكنها لم تكن تعلم عن موهبته بعزف البيانو ..فاستدرك ما يجول بخاطرها واستطرد قائلا ..تعلمت عزف البيانو من والدتي رحمها الله وقررت استغلال تلك الموهبة في خدمة هؤلاء الأطفال ..
لم تكن تعلم سر انطوائه وانغلاقه على ذاته ولكنها عرفته حينما علمت أن والده توفي قبل أن يراه وأن والدته توفت منذ خمس سنوات عقب تخرجه مباشرة..
أدركت حينها ذلك السر الذي يجعله دائما حزين وحيد مثلها عندما تودع أصدقائها وتذهب إلى بيتها وتنظر إلى الصور المعلقة على حوائطه تؤطرها شريطه سوداء وبينهما صورتها التي لا تعلم متى سيوضع عليها ذلك الشريط الأسود
أدرك أحمد شرودها فسألها عن السبب .. قصت له قصتها التي تشبه قصته كثيرا ولكنها في نظرها أكثر مرارة خانتها دموعها وسقطت رغما عنها فقاطعتها طفله صغيرة جميله تسألها كيف تجعل دميتها تتكلم فانحت لتقبل تلك الصغيرة الجميلة وأخذت منها دميتها ووضعت بداخلها البطارية ...فنطقت ماما ..ماما فأعطتها لها قبلتها الصغيرة .. ضمتها إليها وسألتها عن اسمها ..قالت ساره .. دمعت عيناها وقالت لها اسمي ساره أيضا .. أخذت تلك الطفلة تجفف لها دموعها بيدها الصغيرة وقالت لها بلهجة طفوليه جميله: متعيطيش عشان أجبلك شيكولاتة ..ارتسمت على شفتيها ابتسامه صافيه قبلت الصغيرة وتركتها تلعب مع أصدقاءها ..
دار ذلك المشهد أمام عيني أحمد الذي اكتشف فيه ولأول مره شخصية ساره بعد خمس سنوات من تخرجهما فرغم سنوات الدراسة التي مرت عليهما لم يكن يعرف عنها شيء ولم تكن تعرف عنه شيء سوا أنهم زملاء بالدراسة .. ندم على سنوات انغلاقه على ذاته وعدم تقربه منها .. فكم هو بحاجه لإنسانه مثلها تشعر بمرارة ما عاناه ويظنها أيضا بحاجه إلى شخص مثله يقدر ما عانته .
ودعته ساره بابتسامه أيقن أنها نابعة من قلبها .. قابلها هو بابتسامه متمنيا أن يلقاها قريبا في حفل أخر يقوم هو بالعزف فيه .. أومأت برأسها وابتسمت ومضت ...
لعلها الشمس ستشرق قريبا بعد سنوات من المغيب..

























